ابن عجيبة

339

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

لا يغلب ، ولا يغلب من انتسب إليه ، وتوكل في أموره عليه ، حكيم فلا يخرج عن حكمته وقدرته شيء ، أو عزيز لا يذل من استجار به ، ولا يضيع من لاذ به ، والتجأ إلى ذّماره « 1 » ، حكيم لا يقصر عن تدبير من توكل على تدبيره ، قاله في الإحياء . ثم قال : وكل ما ذكر في القرآن من التوحيد هو تنبيه على قطع الملاحظة عن الأغيار ، والتوكل على الواحد القهار . ه . وبالله التوفيق . ثم ذكر عاقبة أهل النفاق والريب ، فقال : [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 50 إلى 51 ] وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ ( 50 ) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ ( 51 ) قلت : جواب ( لو ) محذوف ، أي : لرأيت أمرا عظيما ، و ( الملائكة ) : فاعل ( يتوفى ) فلا يوقف على ما قبله ، ويرجحه قراءة ابن عامر بالتاء ، ويجوز أن يكون الفاعل ضمير ( اللّه ) ، و ( الملائكة ) : مبتدأ ، و ( يضربون ) : خبر ، والجملة : حال من ( الذين كفروا ) ، والرابط : ضمير الواو ، وعلى هذا فيوقف على ما قبله ، وعلى الأول ( يضربون ) : حال من الملائكة ، و ( ذوقوا ) : عطف على ( يضربون ) على حذف القول ، أي : ويقولون ذوقوا . و ( ذلك ) : مبتدأ ، و ( بما قدمت ) : خبر ، و ( أن اللّه ) : عطف على « ما » ؛ للدلالة على أن مقيدة بانضمامه إليه . انظر البيضاوي . يقول الحق جل جلاله : وَلَوْ تَرى يا محمد ، أو يا من تصح منكم الرؤية ، حال الَّذِينَ كَفَرُوا حين تتوفاهم الْمَلائِكَةُ ببدر ، أو مطلقا ، وهم يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ ، أو حين يتوفاهم اللّه ويقبض أرواحهم ، حال كونهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ، أي : يضربون ما أقبل منهم وما أدبر ، فيعمونهم بالضرب ، أو يضربون وجوههم وظهورهم ، أو أستاههم ، لرأيت أمرا فظيعا . وَ يقولون لهم : ذُوقُوا أي : باشروا عَذابَ الْحَرِيقِ يوم القيامة ؛ بشارة لهم بما يلقون من العذاب في الآخرة . وقيل : تكون معهم مقامع من حديد ، كلما ضربوا التهبت النار منها ، ذلِكَ العذاب إنما وقع بكم بِما ؛ بسبب قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ أي : بما كسبتم من الكفر والمعاصي ، وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ؛ حتى يعذب بلا سبب ، أو يهمل العباد بلا جزاء . الإشارة : قد ذكر الحق جل جلاله حال الكاملين في العصيان في هذه الآية ، وذكر في سورة النحل الكاملين في الطاعة ، بقوله الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ . . . الآية « 2 » وسكت عن المخلطين ، ولعلهم يرون طرفا من هذا أو طرفا من هذا . واللّه تعالى أعلم .

--> ( 1 ) الذّمار : الحوزة والحرم والأهل . . انظر : اللسان ( ذمر ) . ( 2 ) الآية 32 من سورة النحل .